أحمد فارس الشدياق
304
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
والترجيح كما أشار إليه العالم الأديب الشيخ أحمد المسيري بقوله يمدح خديو مصر على إنشاء مدارس للعلوم الرياضية : فهذا الفخر في وجه المعالي * وليس بضرب زيد وجه عمرو إذا لصرف خواطر القوم إلى الاشتغال بما هو أهم وأنفع ، فإن وصول الخبر من قاعدة مملكة أوستريا إلى ليفربول في أقل من ثانية ، أنفع من تجويز عشرين وجها في مسألة واحدة . وهذا هو سر الكيمياء الذي يتعلمه الإفرنج الآن ، لا تحويل الحديد ذهبا أو الآنك فضة ، فإن سميته بالأكسير فأنت صادق . والحاصل أن الخبر يبلغ بهذه الآلة مسافة بعيدة كما يبلغ مسافة ميل على السواء . وعدة الآلات في هذا المحل نحو خمسين ، وعدة المستخدمين فيه مائة وثلاثون . قال مؤلف كتاب المخترعات العجيبة : لم يكن يخطر ببال أحد من المتقدمين أنه يمكن إيصال فكر من بلد إلى آخر مسافة مئات من الأميال بثوان قليلة ، وأن من يكون واقفا في لندرة يمكنه أن يخاطب آخر في إيدنبرغ ويتلقّى منه الجواب كأنهما جالسان في غرفة واحدة ، مع أن بينهما مدى ثلاثمائة ميل . فلا جرم أن التلغراف إنما هو أكبر العجائب التي كشفت في عصرنا هذا ، فإن السارق مثلا يذهب في أحد الأرتال السريعة وهو مسرور بسرقته وفراره من يد الشرطة ، ويطمع في أنه إذا بلغ إلى إحدى المدن الغنّاء يخفى أثره عن غريمه ، ويضيع خبره في دخوله بين الناس ، فيعمد إلى رتل يمر مسافة خمسين ميلا في الساعة ، ويكون خبره قد تقدمه في السلك الذي يراه بعينه مرة عن يمينه ومرة عن شماله ، ويكون الشرطي قد عرفه بسمته وسمته وصفاته ، وعرف الرتل الذي سافر فيه ، فما يكاد يخرج منه إلا وهو آخذ بتلابيبه ، فيبقى مدهوشا مبهوشا « 248 » لا يدري أين يقصد ، ثم تفتش صناديقه وأوعيته ، ويستخرج منها المسروق ، ويرسل هو إلى الحبس ، فمن ثم كانت فوائد هذه الأسلاك من أعظم الأسباب المؤيدة لإقامة الحق وتشييد سنن الشرع وتنفيذ أحكامه . ولو كان إيصال الخبر على هذا الوجه قد عرض
--> ( 248 ) في الطبعة الأولى : مبهوتا ( م )